أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

475

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

من ذلك ، فقال : « لا يجوز أن تأتي ب « لدن » مع ياء المتكلم دون نون وقاية » . وهذه القراءة حجّة عليه . فإن قيل : لم لا يقال : إن هذه النون نون الوقاية ؟ وإنما اتصلت ب « لا » لغة في « لدن » حتى يتوافق قول سيبويه ، مع هذه القراءة ، قيل : لا يصح ذلك من وجهين : أحدهما : أن نون الوقاية إنما جيء بها لتقي الكلمة الكسر محافظة على سكونها ، ودون نون لا سكون ، لأن الدال مضمومة ، فلا حاجة إلى النون . والثاني : أن سيبويه « 1 » يمنع أن يقال : لدني بالتخفيف ، وقد حذفت النون من « عن » و « من » في قوله : 3214 - أيّها السّائل عنهم وعني * لست من قيس ولا قيس منّي « 2 » وقرأ أبو بكر بسكون الدال ، وتخفيف النون أيضا ، ولكنه أشم الدال الضم منبهة على الأصل . ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصلية ، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على « لدن » الساكنة الدال ، لغة في « لدن » ، فالتقى ساكنان ، فكسرت نون الوقاية على أصلها ، وإذا قلنا بأنّ النون أصلية ، فالسكون تخفيف كتسكين ضاد « عضد » وبابه . واختلف القراء في هذا الإشمام ، فقائل : هو إشارة بالعضو من غير صوت كالإشمام الذي في الوقف . وهذا هو المعروف . وقائل هو إشارة بالحركة المدركة بالحسّ ، فهو كالرّوم في المعنى ، يعني : أنه إتيان ببعض الحركة ، وقد تقدم هذا محررا في يوسف ، عند قوله : لا تَأْمَنَّا ، وفي قوله في هذه السورة : « من لدنه » في قراءة شعبة . وتقدم لك بحيث يعود مثله هنا ، وقرأ عيسى ، وأبو عمرو في رواية : « عذرا » بضمتين ، وعن أبي عمرو أيضا : « عذري » مضافا لياء المتكلم . و « مِنْ لَدُنِّي » متعلق ب « بَلَغْتَ » أو بمحذوف على أنه حال من « عُذْراً » . قوله : اسْتَطْعَما أَهْلَها . جواب « إِذا » ، أي : سألوهم الطعام ، وفي تكرير « أَهْلَها » وجهان : أحدهما : أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ، كقوله : 3215 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا « 3 » والثاني : أنه للتأسيس وذلك أن الأهل المأتيين ليسوا جميع الأهل ، وإنما هم البعض ، إذ لا يمكن أن يأتيا جمع الأهل في العادة في وقت واحد ، فلما ذكر الاستعظام ، ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل ، كأنما تتبّعا الأهل واحدا واحدا . فلو قيل : استطعماهم ، لاحتمل أنّ الضمير يعود على ذلك البعض المأتي دون غيره ، فكرر الأهل لذلك . قوله : أَنْ يُضَيِّفُوهُما مفعول به لقوله : أبوا والعامة على التشديد من ضيفه يضيّفه ، والحسن ، وأبو رجاء ، وأبو رزين : بالتخفيف من أضافه يضيفه ، وهما مثل : ميله وأماله . قوله : أَنْ يَنْقَضَّ مفعول للإرادة ، و « انقضّ » يحتمل أن يكون وزنه « انفعل » من انقضاض الطّائر ، أو من القضّة وهي الحصى الصّغار ، والمعنى :

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 3 / 286 ) . ( 2 ) البيت في شرح ابن عقيل ( 1 / 114 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 125 ) ، الأشموني ( 1 / 124 ) ، التصريح ( 1 / 112 ) ، الخزانة ( 5 / 380 ) . ( 3 ) تقدم .